كرة القدم لم تعد مجرد لعبة تتقاذفها الأرجل ويتابعها الملايين من اجل الاستمتاع بها فقط - أحداث الشرق

كرة القدم لم تعد مجرد لعبة تتقاذفها الأرجل ويتابعها الملايين من اجل الاستمتاع بها فقط

احداث الشرق وجدة

كأس العالم في روسيا أثبتت مجددا أن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة تتقاذفها الأرجل ويتابعها الملايين من العشاق من أجل ممارستها والاستمتاع بها، بل أكدت بما لا يدع أي مجال للشك بأنها أكثر من ذلك بكثير، وتداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الفكرية والنفسية تجعل منها استثمارا لا يقل شأنا عن باقي الاستثمارات الأخرى سواء بالنسبة لمنظم العرس العالمي أو للمتوج والمتألق فنيا.

روسيا أنفقت 20 مليار دولار من أجل تنظيم مونديال 2018 وتدعيم البنية التحتية بمطارات جديدة وطرقات وسكك للحديد وملاعب وفنادق وهياكل مختلفة، فنالت اعجاب ملايين الزوار والمتابعين وحطمت تلك الصورة النمطية التي رسمها الغرب عن روسيا لسنوات طويلة بعدما اكتشفوا بلدا جميلا سياحيا، متطورا وآمنا بامتياز، وهو الأمر الذي لم تقدر على تغييره كل الأنشطة الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية التي احتضنتها روسيا من قبل، خاصة أن وسائل الاعلام الغربية فعلت فعلتها منذ عقود ببلد لا يختلف عن باقي البلدان المتطورة.

العديد من البيانات تفيد بأن كأس العالم خلقت أكثر من مئة ألف فرصة عمل ونشطت القطاع السياحي وكذا الاقتصادي بشكل كبير، ما سينعكس إيجابا على الناتج المحلي من الثروة وعلى معدلات النمو في كل المجالات، وهو الامر الذي ستستفيد منه كرواتيا التي زارها 17 مليون سائح السنة الماضية في انتظار المزيد بعد تألق منتخبها بوصوله للمباراة النهائية وتميز رئيسته التي صنعت الحدث بدورها من خلال تفاعلها مع لاعبيها في غرف الملابس والمدرجات وأثناء حفل تسليم الكأس، ما جعل صورها في كل وسائل الاعلام وتجاوبها على كل لسان. وبفضل التنظيم المحكم نجح فلاديمير بوتين في رفع التحدي وكسب المزيد من التأييد والتعاطف السياسي داخليا وخارجيا، ورئيسة كرواتيا كوليندا كيتاروفيتش صارت أشهر من كل اللاعبين الكروات والكثير من رؤساء العالم بتفاعلها الفريد من نوعه، بينما نجح الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في الاستثمار في تتويج منتخب الكرة للمضي في سياساته الاقتصادية والاجتماعية ودعم الانسجام الاجتماعي بين مكونات المجتمع، بعدما أدركوا أهمية الكرة فاستثمروا فيها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا مثلما حاول ذلك ملك وملكة بلجيكا عند وصول منتخب بلادهم الى دور النصف النهائي. كل هذا طبعا بفضل الكرة التي صارت أكثر من مجرد لعبة تنفق من أجلها الأموال الطائلة من أجل استثمارات ضخمة وعائدات كبيرة لا تقتصر على الجانب المادي، بل تتعداه للحفاظ على توازنات اجتماعية وثقافية في مجتمعات غارقة في الكثير من الفوارق والتناقضات التي تهدد كياناتها كشعوب وحكومات، بما في ذلك في البلدان المتطورة، ما جعل الولايات المتحدة مثلا تستعمل كل نفوذها من أجل الحصول على تنظيم مونديال 2026، بما في ذلك ممارسة التهديد والوعيد لكل من يصوت ضدها بقطع المساعدات عليه! في المقابل ظهرت ملامح التأثير السلبي للكرة ونتائج المنتخبات في خروج بطل العالم ألمانيا خائبا وفي اخفاق الأرجنتين وكذا اسبانيا التي ربحت الكثير عندما توجت بالكأس سنة 2010 وتراجعت في مجالات كثيرة منذ خروجها في الدور الأول في مونديال البرازيل، ثم اخفاقها في روسيا مؤخرا وتضييعها لرونالدو الذي غادر الريال في اتجاه إيطاليا في صفقة ستكون لها انعكاسات سلبية على الريال والكرة الاسبانية، وتكون لها تداعيات إيجابية في المقابل على الكرة الايطالية وفريق يوفنتوس الذي أنفق 105 ملايين يورو من أجل استقدام رونالدو، واسترجع ثلثها في بضعة أيام من بيع قمصان النجم البرتغالي، في انتظار عائدات أخرى ضخمة حولت النادي الى شركة قابضة مقبلة على صناعة ثورة اقتصادية وعلى تغيير مفاهيم كرة القدم، لتصبح استثمارا ماليا واقتصاديا يعود بالنفع على كامل البلد لمجرد استقدام نجم كبير أريد له تعويض اخفاق المنتخب الإيطالي في التأهل الى نهائيات كأس العالم. كرة القدم التي كانت الى وقت قريب في أذهان الناس مجرد مخدر وظاهرة اجتماعية تسحر الشعوب، صارت مع مرور الوقت ظاهرة سياسية واقتصادية تجند الملوك والأمراء والرؤساء، تستثمر فيها الحكومات لبناء المرافق وإعادة تأهيل البنية التحتية واستقطاب السياح كوسيلة لزيادة الدخل، ومن ثم تجنيد الشعوب والهائها عن متاعبها وهمومها، وربما تمرير مشاريع سياسية واقتصادية أو تجاوز مصاعب داخلية وخارجية.

روسيا غيرت النظرة إليها من النقيض إلى النقيض بديمومة لا تمحى، بعدما عرفت أن كرة القدم لن تكون مجرد لعبة، فرنسا من جهتها فازت في نهائي ستدوم الفرحة به أربع سنوات يحكم فيها ماكرون بأريحية ترشحه للبقاء رئيسا لعهدة ثانية، أما كرواتيا فقد فازت بقلوب شعوب المعمورة بفضل ابداعات منتخبها ورئيستها في كأس العالم، التي يكتفي العرب بالإنفاق من أجل المشاركة فيها فقط ويحسدون من ترشح لاحتضانها ومن تحصل على فرصة تنظيمها!

حفيظ دراجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *