الرئيس الجزائري سيواصل خدمة الجزائر الى آخر قطرة من الويسكي

hisspress.net

مراسلة خاصة // هل يستغل الرئيس تبون فرصة قرب تاريخ الاحتفال بالذكرى الثامنة والخمسين للاستقلال، في 5 يوليو المقبل، للإعلان عن إجراءات تهدئة، كانت قد طالب بها الكثير من القوى السياسية، بما فيها فعاليات الحراك، منذ أكثر من سنة، عندما كان الحديث سائدا عن انطلاق الحوار الوطني، قبيل تنظيم الانتخابات الرئاسية التي تمت في 21/12/ 2019.
إجراءات تطمين وتهدئة، مازالت أكثر من ضرورية، يمكن أن تأخذ عدة أشكال، على رأسها يمكن أن نتصور الإعلان عن عفو رئاسي عن المعتقلين الذين زاد عددهم، منذ الجمعة الماضية التي شهدت محاولة تنظيم مسيرات شعبية، لم تحظ بالكثير من الإجماع بين أبناء وبنات الحراك على المستوى الوطني، ما يفسر الحضور الشعبي المحتشم فيها، إذا استثنينا مسيرات مدن منطقة القبائل المعروفة تقليديا بقوة تجنيدها.
إجراءات يجب أن لا تقتصر على العفو عمن اعتقل يوم الجمعة الفارط ـ مصادر حقوقية تتكلم عن عدة عشرات من المنتظر أن تبدأ محاكمتهم بداية هذا الأسبوع ـ لأن هناك من هو رهن الاعتقال وتحت الرقابة القضائية، والكثير من أشكال التضييق، منذ مدة طويلة نسبيا. يجب أن يستفيد من إجراءات العفو وإطلاق الحريات، إذا كانت النية فعلا صادقة في فتح صفحة جديدة بين الجزائريين ودولتهم الوطنية. في وقت زاد فيه منسوب الانسداد السياسي، إلى درجة يمكن أن تؤدي إلى ما لا تحمد عقباه. وبالتالي فإن المطلوب من إجراءات التهدئة والتطمين – التي تأخرت كثيرا- زيادة على إجراءات العفو، هو انطلاق حوار سياسي فعلي -تأخر كثيرا هو الآخر- بين الفعاليات السياسية الحاضرة وطنيا، وعلى رأسها الحراك الشعبي، رغم مسألة تنظيمه وتمثيله، التي مازالت مطروحة، رغم الجو السياسي غير المساعد موضوعيا، بعد انتشار وباء كورونا وتدهور أداء الآلة الاقتصادية، وزيادة حدة الاستقطاب السياسي، الذي يمكن أن يتحول إلى حالة استقطاب اجتماعي حاد في القريب العاجل.
حوار سياسي لا يمكن أن يقفز على حقائق سياسية مهمة، على رأسها أن الحراك الشعبي لم يحقق مطالبه التي خرج من أجلها منذ أكثر من سنة، بكل ما قد يترتب عن هذه الحقيقة من تداعيات قد لا ترضي القراءة الرسمية السائدة، التي يتم الترويج لها، والتي تدعي أننا امام جزائر جديدة بمجرد انتخاب رئيس جديد.
انسداد سياسي، يمكن أن يساهم إطلاق الحوار السياسي بين الجزائريين، في التخفيف من حدته في انتظار فتح ورشات للتطرق للأمور الجدية، التي يعاني منها النظام السياسي، الذي استعصى على كل عمليات الإصلاح التي جُربت حتى الآن. الأكيد أن كتابة دستور جديد، أو تنقيح القديم منه لن يكون هو المفتاح السحري لها،
داخل نظام سياسي استطاع كل مرة تجديد نفسه حتى بعد تعرضه إلى هزات قوية وعنيفة، كما حصل أكثر من مرة، بدءا من السنوات الأولى للاستقلال، التي دشنتها الجزائر بنصف انقلاب ضد الحكومة المؤقتة 1962، جرى فصله الثاني في 19 يونيو 1965، تم الاكتفاء فيه بتغيير نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع برئيس الجمهورية، وصولا إلى أزمة التسعينيات التي جربت فيها الحلول الشكلية نفسها، لتؤدي إلى النتائج نفسها، استمرار آليات تسيير النظام وثقافته نفسها، مع تغييرات طفيفة على الواجهة، يتم بموجبها التخلص من وجوه لصالح أخرى، من الخزان البشري القديم نفسه، كما هو حاصل هذه الأيام.

إجراءات تهدئة وعفو وإطلاق الحريات، لابد أن تأخذ بعين الاعتبار الجديد الذي جاء به الحراك، وهو يعبر عن حالة تجنيد شعبي غير مسبوقة في التاريخ السياسي للجزائر، مقارنة بما كان عليه الوضع في السابق، الذي كان فيه النظام أمام معارضة حزبية وسرية ضعيفة الحضور والتجنيد، في وقت كان هو يعيش أزهى أيامه وفي حالة صعود. عكس الحالة الحالية التي لا يمكن الكلام عنها بالصيغة نفسها، كانت نتيجتها فشل النظام في إقناع المواطنين بنفسه الإصلاحي الضعيف.
حالة تجنيد شعبي عبّر عنها الحراك بمطالبه السياسية النوعية، التي كانت وراءها كتلة اجتماعية متنوعة، عكست التحولات السوسيو سياسية والثقافية، التي عاشها المجتمع الجزائري لعقود، تم التعبير عنها بقوة حضور الشاب والفئات الوسطى الحضرية والمرأة. فئات تدخل معمعان المطلبية السياسية لأول مرة في تاريخ الجزائر، بهذا الشكل الجماعي والسلمي. وهي تعبر عن قدر كبير من التفاؤل المقرون بشحنة من السذاجة، في إمكانية تحقيق مطالب التغيير بسهولة نسبية، في وقت قصير.
شحنة من التفاؤل مازالت قائمة حتى الآن، حتى إن قلّ منسوبها، بعد تأكد علامات حالة الانسداد السياسي، التي بدأت تطل برأسها بقوة، قد يربطها البعض بالعيوب التي تلصق عادة بالبورجوازية الصغيرة، المتلهفة لتحقيق انتصارات سريعة، كما يدعي عادة التحليل الأرثوذكسي الماركسي. في حين أن القراءة الموضوعية تقول إن المسؤول عنها هو حالة التباطؤ التي تميز صاحب القرار في التعامل الإيجابي مع مطالب المواطنين، التي تكون قد عطلتها موضوعيا حالة انتشار الوباء كظرف مساعد، لا يفسر كل التأخير. حالة التفاؤل بالسلمية التي اقترنت بها حتى الان، يمكن أن تنكسر لأسباب موضوعية، مرتبطة بخصائص الحامل الاجتماعي ذاته-فئات وسطى أساسا – الجديد على العمل السياسي المطلبي الجماعي، بكل ما يميزه من قوة تأهيل وانفتاح على العالم، وتغيير في النظرة إلى ذاته والمحيط الدولي. حامل ممكن أن يقوم بقراءة تفسر حالة الانسداد السياسي، والفشل في تحقيق مطالب الحراك، كفشل شخصي قبل أن يكون جماعيا، لينسى في السياق نفسه أن حالة الانسداد السياسي هذه، المسؤول عنها هو النظام الذي يرفض الإصلاح والتغيير وليس المواطنين، الذين طالبوا وعبروا بألف طريقة وطريقة منذ سنوات. يجب أن لا يتحول التعامل مع سلمية حركتهم كنقطة ضعف.
إحدى نتائج هذه القراءة المتشائمة لحالة الانسداد التي بدأت فعلا في التعبير عن نفسها، حسب بعض المعطيات الإعلامية والملاحظة المباشرة، التفكير في مغادرة البلد كحل فردي، نهائيا. التي تقول استطلاعات الرأي أن الجزائري كان يقوم بها لأسباب اقتصادية في المقام الأول، لنكون أمام هجرة سياسية للنخب هذه المرة، كما عرفت الجزائر ذلك في عدة محطات من تاريخها السياسي المضطرب -1830/1919/1992/. وهي تعيش حالة انكسار. تكون نتيجتها الموضوعية، تحول مركز المعارضة السياسية من الجزائر إلى باريس وكيبك الكندية.
سيناريو متشائم لكنه ممكن الحدوث، اذا استمرت حالة الانسداد السياسي الذي يمكن أن تتعامل معها بعض مراكز القرار السياسي، كأمر واقع بدل الإصلاح المطلوب، الذي يتطلب جهدا سياسيا وفكريا جديدين، غير متوفرين للأسف لحد الآن. احتفالات عيد الاستقلال القريبة فرصة، فهل تستغل؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *