اخبار عالمية : عام البون 1944 بالمغرب+ صورة وفيديو

HISSPRESS.NET

76 سنة  مرت ولازال المغاربة يتذكرون عام المجاعة التي فتكت بهم وحوّلت البلاد من أرض خضراء كريمة تُنبث وتُزهر وتُدر خيرًا وافرًا، إلى بلد المصائب والكروب.

عاش المغاربة زمن المجاعة في الأربعينات بداية من سنة 1944، فباعوا أملاكهم لقهر الجوع الذي كانت ناره تُطارد السكان وتقُض مضاجعهم، فعاش الوطن عصر الأكل بالوصولات، حتى أطلق على هذه الفترة “عام البون”.

عام البون

“البون” أو “Bon” هي كلمة فرنسية، استعملت في الدارجة المغربية، ومقابلها بالعربية “ورقة لأجل”. وتعني إصطلاحًا الوصل الذي يخول لحامله الحصول على كمية من المواد الغذائية كالطحين والسكر والزيت والقهوة.

وارتبط “البون” بسنوات الجفاف والمجاعة. وكان إجراءً وضعه نظام المستعمر الفرنسي لمواجهة أزمة الغذاء، وأطلق عليه رسميًا “نظام التموين”، إذ كانت السلع تُقتنى بوصولات عوض الأوراق المالية.

وبدأت فترة المجاعة في المغرب بالتزامن مع الاحتلال الفرنسي الذي فرض نظام الحماية على البلاد، فبدأت فرنسا سياسة استنزاف الثروات، وفوتت جزءًا من الأراضي إلى المستعمرين.

ومع اندلاع  الحرب العالمية الثانية  ودخول فرنسا فيها سنة 1939 وانهزامها في 1940، رغبت في سد الديون والنفقات المتراكمة، ومن هنا أصبح المغرب يشكل مستعمرة حقيقية تدر على فرنسا الذهب، وتُوفر لها كل ما يتم إنتاجه من مواد غذائية، ومعدنية، وموارد بحرية، وحيوانية، ومواد الصناعة التقليدية.

عانى المغاربة من الاستنزاف والاستغلال، فتدهورت الحالة الاقتصادية للبلاد. ولمواجهة هذه الظرفية، اُتخذت عدة إجراءات من طرف الاستعمار الفرنسي، من بينها فرض نظام البون على الشعب.

تولت البلديات عملية التوزيع، فوضعت دفاتر خاصة، تحتوي على بطاقات التموين ذات الألوان والأرقام، كل بطاقة خاصة بنوع من المواد الغذائية من الزيت والبيض والسكر والشاي والقهوة والصابون والخضر والوقود، ومنها ما يخص الأثواب والألبسة على اختلافها. وكان التموين يوزع على المتاجر بحسب الأحياء والدروب والمناطق. وكانت إدارة التموين تغير لون البطاقة كل ستة أشهر.

وفي عام البون قسم المستعمر المغرب إلى منطقتين، واحدة عسكرية والثانية مدنية. وتمثلت العسكرية في المناطق التي عُرفت بمقاومة الاحتلال، والثانية هي المناطق التي أخضعها الاستعمار لسلطانه بشكل كامل، وكانت تلك المناطق تحظى بكميات أكبر من التموين على عكس المناطق “العسكرية”، التي كانت الأكثر تضررًا من المجاعة.

وخلال عام البون كانت بعض السلع مثل الصابون والقهوة من مظاهر الغنى والترف، حتى كان الأغنياء يلتقطون الصور مع فناجين القهوة. وكان صوت طحن بن القهوة يحيل إلى أغنى البيوت.

سرقة الثروات

صادرت سلطات المستعمر الأراضي واستولت على الثروات، وأعلنت عن حملة أطلقت عليها اسم “مليار التحرير”، حيث فُرض على المغاربة مساعدة فرنسا ماديًا رغم فقرهم وسوء أوضاعهم المعيشية.

وقد ساهم  الجفاف أيضًا في تفاقم أزمة الغذاء في البلاد، فارتفع عدد ضحايا الجوع في المدن والقرى، وأصبحت محاصيل القمح لا تتجاوز نصف قنطار للشخص الواحد، في حين أنها تبلغ في الوقت الحالي 2.5 قنطار للشخص الواحد.

وعرف عام البون أيضًا انتشار الجراد الذي اكتسح البلاد وأتى على 100 ألف هكتار من الأراضي الفلاحية. ونقص الماء وظمئت الأرض، وجفت العيون والآبار، كما عرف منسوب الأنهار انخفاضًا كبيرًا.

يرصد إبراهيم بوطالب في كتابه “وقفات في تاريخ المغرب ” بعض المظاهر من تلك الفترة، فيقول: “قلة الماء خلقت مشكلة كبيرة لسلطات الحماية، سواء من حيث التزود بماء الشرب، أو من حيث الحصول على مياه السقي، فأصدرت كثيرًا من القرارات المتعلقة بجر المياه من العيون أو استغلال الفرشة المائية، أو ضخ المياه من الأودية والآبار نحو أراضي المستعمرين، الشيء الذي كان له أثر كبير وانعكاس خطير على حياة السكان”.

كانت المجاعة أشد فتكًا في المناطق القروية، الأمر الذي دفع الفلاحين إلى بيع ورهن أراضيهم للمستعمرين بأثمان بخسة، مقابل استبدالها بكميات من القمح والغذاء. كما أنه تم الاستيلاء على أراضي الأسر التي قضى عليها الجوع والعطش من طرف عائلات أخرى.

وكانت بعض العائلات القروية تنتقل للمدن بعد بيع أراضيها، الأمر الذي دفع بالاستعمار إلى فرض نظام عرف بـ”الملك العائلي”، والذي أجبر كل عائلة أن تحتفظ بسبع هكتارات من أراضها دون أن يكون لها الحق في بيعها أو رهنها حتى وإن كانت مضطرة لذلك.

قهر الجوع

أبدع المغاربة وجبات من النباتات والحشائش لقهر الجوع، فلجأوا إلى كل ما تنبته الأرض من بقول وأعشاب، فاستخدموا مثلًا جذور نبتة يرنة أو ما تعرف بـ”البطاطا البلدية”، والتي كانت تغسل وتجفف تحت أشعة الشمس، ثم تطحن لاستخراج نوع من الطحين يستعمل لتحضير الخبز. كما أقبل المغاربة أيضًا بسبب الجوع على البلوط والخروب، واضطروا لصيد الجراد وأكله .

ووصل الأمر بالسكان في عام البون إلى نبش القبور لأخذ الأكفان واستعمالها كلباس. وبسبب نقص المياه والصابون كثرت الأوساخ وانتشرت الأمراض مثل السل والزهري والرمد.

بعد عام البون

غيرت فاجعة المجاعة مسار تاريخ المغرب، وتركت وراءها دروسًا متجذرة في المجتمع المغربي، فاخترع المغاربة أكلًا جديدًا، وتعلموا طمر القمح والشعير تحت الأرض، بالإضافة إلى تجفيف الخضر والفواكه واللحم، خوفًا من عودة المجاعة في أي وقت.

خلّف عام البون العديد من الأمراض المرتبطة بالجوع وقلة النظافة، والتي راح ضحيتها الآلاف، إذ تسبب مرض السل في وفاة أكثر من 8760 شخصًا، وارتفع عدد مرضى داء الحصبة، فيما أصاب مرض الرمد أكثر من 126 ألفًا و911 شخصًا، كما ارتفعت أعداد المصابين بالزهري خمسة آلاف حالة عن السنة التي سبقت عام البون.

رحل عام البون مخلفًا مأساة مستقرة في ذاكرة المغاربة، ويضربون بها المثل، فنشأت ثقافة أزمة خلفت حراكًا اجتماعيًا ضد المستعمر، وتفجرت قريحة المغاربة بالأمثلة من واقع مأساة المجاعة، مثل: “فرنك قهوة كيعطر وجدة”، أي “كمية صغيرة من البن يمكن أن تفوح رائحتها في مدينة وجدة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *